محمد بن علي الشوكاني

3501

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

[ ذلك ] ( 1 ) وقوله : فإنما الرضاعة من المجاعة ، توضح الباعث على إمعان النظر والفكر ؛ لأن الرضاعة تثبت السبب ، وتجعل الرضيع محرما ، وقوله : من المجاعة ، أي الرضاعة التي تثبت بها الحرمة حيث يكون الرضيع طفلا ، يسد اللبن جوعته ، لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن ، وينبت بذلك لحمه ، فيصير جزءا من المرضعة ، فيشترك في الحرمة مع أولادها ، فكأنه قال : لا رضاعة معتبرة إلا المغنية عن المجاعة . وقال المحقق ابن دقيق العيد - رحمه الله تعالى - في شرح العمدة ( 2 ) : وفيه - يعني في هذا الحديث - دليل على أن ( إنما ) للحصر ؛ لأن المقصود حصر الرضاعة المحرمة في المجاعة ، لا مجرد إثبات الرضاع في زمن المجاعة . وقال القرطبي ( 3 ) في قوله : إنما الرضاعة من المجاعة : قاعدة كلية صريحة في اعتبار الرضاع في الزمن الذي يستغني به الرضيع باللبن ، ويعتضد بقوله تعالى : { لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } ( 4 ) فإنه يدل على أن هذه أقصى مدة الرضاع المحتاج إليه عادة ، المعتبر شرعا ، فما زاد عليه لا يحتاج إليه عادة ، فلا يعتبر شرعا ، إذ لا حكم للنادر ، والحدود الشرعية تبنى على الأغلب ، فهذا الحديث الذي سقنا الكلام فيه ، الواقع جوابا عن قول عائشة أنه أخي من الرضاعة قد وقع فيه الأمر الدال على الوجوب العام لها ولغيرها بالنظر منهن في الأخوة لهن وسببها ، ثم توضيح الباعث على النظر ، فإن حكم التحريم إنما ثبت مع المجاعة ، وتأكدت دلالة الأمر على الوجوب برؤية الغضب في وجهه ، واشتداد الأمر عليه . ومع هذا فإنه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - لم يستيقن عدم الأخوة لتجويزه أن تكون الرضاعة وقعت في غير سن الرضاعة ، فدلالته على الحكم بعدم التحريم مع استيقان وقوع الرضاعة في غير زمنها ثابتة بالأولى ، وهذا واضح . واستدلوا أيضًا بحديث

--> ( 1 ) كذا في المخطوط والذي في الفتح [ بغير الرضاع ] . ( 2 ) ( 4 / 80 ) . ( 3 ) في " المفهم " ( 4 / 188 ) . ( 4 ) [ البقرة : 233 ] .